محمود نيشيت
  1. Haberler
  2. الكُتّاب
  3. التركمان: بداية المسؤولية بعد قرن من المعاناة

التركمان: بداية المسؤولية بعد قرن من المعاناة

featured
0
شارك

شارك هذا المقال

أو قم بنسخ الرابط

هذا المنشور متاح أيضًا باللغة: Türkçe (التركية)

قد تختلف الآراء حول العدد الدقيق للتركمان في العراق؛ إلا أنه لا يوجد خلاف حول الحقيقة التاريخية لهذا الوجود. يستند الوجود المتجذر للتركمان في العراق إلى هجرات متتالية من آسيا الوسطى (الوطن الأم للأتراك) إلى هذه الأراضي. وقد حدثت إحدى أهم هذه الهجرات في عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله. فقد جلب الخليفة الأتراك لحماية دولته؛ وأظهرت هذه الجماعة، التي تميزت بمهاراتها القتالية، شخصية ”ذكية في الحرب كاليونانيين، وماهرة كالصينيين، وقوية في الحكم كالسلالة الساسانية“، على حد تعبير الجاحظ.

لكن الأتراك سرعان ما تجاوزوا كونهم قوة عسكرية فقط، ليصبحوا مؤثرين في المجالات الإدارية والسياسية، وتغلغلوا في جميع مستويات آلية الدولة. لدرجة أنهم لعبوا في بعض الفترات دورًا حاسمًا في تعيين وعزل الخلفاء، وأصبحوا الحكام الفعليين للعراق. وقد استمر هذا الوجود السياسي في فترات مختلفة حتى هدنة مودروس وانتهاء الحكم العثماني عام 1918.

مع احتلال البريطانيين للعراق وتشكيلهم لهيكل الدولة الجديد، تضاءل الدور السياسي للتركمان تدريجيًا وتراجع إلى الخلفية. يعود سبب هذا الوضع، من جهة، إلى ابتعاد التركمان عن السياسة، ومن جهة أخرى، إلى تهميشهم بشكل متعمد من قبل الإدارة البريطانية والإدارات العراقية الجديدة. ومما يؤكد ذلك، أن الدستور العراقي المؤقت لعام 1958 نص على أن البلاد تتكون من العرب والأكراد فقط، مما أظهر بوضوح تجاهل التركمان والمكونات الأخرى.

التحول الديمقراطي النسبي الذي بدأ في المنطقة مع تأسيس إدارة إقليم كردستان عام 1992، والتحول السياسي الذي شهدته العراق عمومًا بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، مهّدا الطريق للتركمان للتوجه نحو السياسة تدريجيًا. لكن عدم امتلاك مجتمع ظل بعيدًا عن السياسة لسنوات طويلة للخبرة والتراكم السياسي الكافي بشكل طبيعي، أدى إلى بقاء الأداء السياسي للتركمان محدودًا.

أما اليوم، فقد تم تجاوز عتبة تاريخية. يمكن اعتبار تعيين تركماني في منصب محافظ كركوك أحد أهم نقاط التحول في التاريخ السياسي التركماني المعاصر. فكركوك ليست مجرد مدينة للتركمان؛ بل هي رمز عميق تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا. لذلك، فإن هذا التعيين ليس مجرد قرار إداري، بل يحمل معنى تمثيليًا قويًا. علاوة على ذلك، فإن حصول هذا المنصب من قبل كيان سياسي مدعوم بتأييد كبير من الناخبين التركمان، يمنح هذا التطور شرعية وثقلًا إضافيًا.

لكن لا ينبغي اعتبار هذا التطور استثناءً مبالغًا فيه. فالتعايش الحقيقي لا يتحقق بالمقولات فقط، بل بتكافؤ الفرص والتمثيل العادل. جوهر النظام الديمقراطي هو تقاسم السلطة والتناوب في الإدارة؛ وإلا فإن السياسة ستظل مجرد عرض غير وظيفي.
بالنسبة للتركمان، هذه العملية ليست نهاية، بل بداية. وفي هذه المرحلة، القضية الأساسية ليست المنصب الذي تم الحصول عليه، بل كيفية إدارته. وبالنسبة للتركمان الذين اشتكوا لسنوات من الإقصاء والظلم، فإن هذا الوضع يمثل أيضًا اختبارًا. وسيتم اجتياز هذا الاختبار من خلال الكفاءة والشمولية والقدرة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع مكونات كركوك.

إذا تمت إدارة هذه العملية بنجاح، فلن تتعزز الحركة السياسية التركمانية فحسب؛ بل ستترسخ ثقافة الانسجام الاجتماعي والعيش المشترك في كركوك على أسس أكثر صلابة. وإلا، فإن هذه الفرصة ستتحول من مكسب تاريخي إلى فرصة ضائعة.

التركمان: بداية المسؤولية بعد قرن من المعاناة

التعليقات مغلقة.

تابعونا
Uygulamayı Yükle

Uygulamamızı yükleyerek içeriklerimize daha hızlı ve kolay erişim sağlayabilirsiniz.