هذا المنشور متاح أيضًا باللغة:
في لحظة سياسية معقدة يمر بها العراق وسط أوضاع إقليمية ودولية شديدة الحساسية والتوتر، جاء تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة ليضيف مشهدا جديدا من الترقب إلى مشاهد لم تهدأ منذ الانتخابات ومرورا بالتجاذبات السياسية الداخلية وانتهاء بالحرب التي وضعت اوزارها توا بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران ولربما لم تضع اوزارها بعد، بل قد يكون مجرد استراحة محارب لحين بدء الجولة القادمة الحاسمة. فالرجل الذي برز اسمه ضمن تسويات القوى السياسية المشكلة للإطار التنسيقي، يجد نفسه اليوم أمام مهمة لا تبدو سهلة، في بلد تتداخل فيه حسابات الداخل مع ضغوط الخارج بشكل كبير ودائم.
صحيح ان التكليف كان مفاجئاً، فاسم الزيدي لم يكن مطروحا ابدا بل ان الأنظار كانت تتجه الى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي قوبل ترشيحه بفيتو امريكي وكذلك كانت الأنظار تتجه الى عدد من مرشحي التسوية نتيجة سلسلة من التفاهمات بين القوى الفاعلة ضمن الإطار التنسيقي، الذي حسم موقفه بعد مشاورات طويلة مع أكثر من اسم مطروح. لكن ورغم أن الخطوة بدت وكأنها أنهت حالة من الجمود السياسي، إلا أنها فتحت الباب أمام أسئلة أكبر حول قدرة أي رئيس وزراء مكلف بغض النظر عن اسمه على إدارة هذا التوازن الدقيق في بلد يعيش في أزمات لا تنتهي.
على المستوى الإقليمي والدولي، لا يمكن فصل أي حكومة عراقية عن محيطها. فالعراق اليوم يقف في منطقة صراع بين نفوذ إيراني ممتد الى الداخل العراقي، وحضور أمريكي لا يزال فاعلاً رغم تراجع هذا الدور لصالح إيران، إلى جانب أدوار إقليمية لدول ذات تأثير سياسي واقتصادي قوي كتركيا ودول الخليج. هذا الوضع المعقد يجعل مهمة الزيدي صعبة للغاية وهي أشبه، بدون مبالغة، بالسير في حقل الغام لا يحتمل الخطأ إذا صح التعبير، خصوصاً في ملفات الأمن والطاقة والعلاقات الخارجية والتوازنات الداخلية والإقليمية على حد سواء.
فالتحديات لا تأتي من الخارج فحسب. فالحكومة المقبلة تحمل على عاتقها إرثاً ثقيلاً من مشاكل الحكومات السابقة، سواء على المستوى الاتحادي أو في العلاقة مع إقليم كردستان. ففي بغداد وبقية محافظات العراق، لا تزال أزمات الخدمات والبطالة والفساد المالي والإداري في مقدمة الملفات الشائكة التي فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجتها بشكل جذري، ما أدى إلى تراجع ثقة الشارع بالعملية السياسية برمتها وبالسياسيين على وجه الخصوص.
أما على صعيد العلاقة مع حكومة إقليم كردستان، فقد تراكمت ملفات كثيرة ومعقدة، أبرزها الخلاف حول الموازنة، وتصدير النفط، وقانون النفط والغاز وتقاسم الإيرادات والخلاف حول صلاحيات الإقليم والمركز، إلى جانب ملف المادة 140 والمناطق المتنازع عليها الذي ظل دون حل دائم. كما شهدت السنوات الماضية توترات متكررة بين بغداد وأربيل حول صرف رواتب موظفي الإقليم، وهو ما انعكس على الاستقرار السياسي العام وعلى الوضع الاقتصادي لإقليم كردستان وأضعف الثقة بين الطرفين، رغم محاولات التهدئة المتكررة ولكن دون جدوى.
ورغم ذلك، تبدو حظوظ الزيدي في تشكيل الحكومة ليست ضعيفة. فالدعم السياسي الذي حصل عليه من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكذلك الدعم من الكتلة الأكبر في البرلمان يمنحانه نقطة انطلاق مهمة، كما أن وجود رغبة عامة لدى معظم الأطراف في إنهاء حالة الجمود السياسي يعزز فرص تمرير حكومته، ولو بعد جولات تفاوض طويلة حول توزيع الحقائب الوزارية وخاصة مع الأحزاب الكردية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي ابدى تحفظا واضحا على عدد من الإجراءات التي قامت بها قوى السياسية العراقية مؤخرا وفي مقدمتها مسألة انتخاب رئيس الجمهورية الامر الذي أدى الى حالة من البرود السياسي الاشبه بالقطيعة السياسية.
لكن التحدي الحقيقي لا يقف فقط عند لحظة التشكيل. فالمشهد الداخلي مثقل بملفات شائكة، ضغط شعبي متصاعد يطالب بتحسين الخدمات وفرص العمل، اقتصاد ريعي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، وبنية سياسية ما تزال تعاني من الانقسام والتجاذب. هذه العوامل تجعل أي حكومة جديدة أمام اختبار صعب ويتطلب السرعة في التعامل مع الازمات والمشاكل القائمة في الوقت ذاته ولكن المهمة الأصعب هي إرضاء الجانب الأمريكي الذي يطالب العراق بصورة ملحة بحصر السلاح في يد الدولة وحل الجماعات المسلحة التي تتهمها بالتحالف مع إيران والظاهر لحد اللحظة ان هذه المهمة شبه مستحيلة في الوقت الراهن نتيجة افرازات وتداعيات الحرب بين أمريكا وإيران التي تحاول ان تبقي هذه المسألة كورقة ضغط للمساومة على ملفات أخرى ومن أهمها البرنامج النووي. إلى جانب ذلك، تبقى مسألة النفوذ الخفي لبعض القوى المسلحة والسياسية من أكثر الملفات حساسية، إذ تشكل عاملاً مؤثراً في صناعة القرار، وتضع عراقيل واضحة أمام أي محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للدولة وكذلك مسك العصا من المنتصف بين المطالب الأمريكية والضغوط الإيرانية.
خلاصة القول، ان علي الزيدي يدخل مرحلة ليست جديدة على العراق فالبلد مثقل بمشاكل وتحديات كثيرة ومعقدة، لكنها بدون أدنى شك واحدة من أكثر المراحل حساسية ودقة. فنجاح الزيدي في تشكيل الحكومة سيكون خطوة أولى فقط، أما التحدي الأكبر فسيبدأ بعد تشكيل الحكومة عندما تبدأ جميع الأطراف الداخلية والقوى الإقليمية والدولية بتقييم أداء الحكومة العراقية الجديدة وتراقب كيفية تعاملها مع الملفات العاجلة والحساسة والشائكة وسوف يكون الزيدي مطالبا بإثبات القدرة على الحكم والمناورة وسط ظروف سياسية واقتصادية لا ترحم وفي ظل وضع إقليمي خطير ومعقد للغاية يتطلب الكثير من الدراية والحنكة السياسية وخاصة ان الزيدي رجل اعمال وليس سياسيا محنكا. فهل يستطيع هو وأعضاء حكومته ان يتعاملوا مع التركة الثقيلة التي خلفتها الحكومات السابقة في ظل هذا الوضع الداخلي والإقليمي المعقد؟! وهل يستطيع رجل الاعمال ان يصلح ما أفسده السياسيون؟! فلننتظر ونراقب.
المقالات المنشورة في زاوية “رأي” تعبّر حصرا عن وجهة نظر كاتبيها ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا.
التعليقات مغلقة.