يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية عميقة تعكس طبيعة الصراع الدولي على النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاستراتيجية، إذ تتقاطع فيه المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية بشكل يجعل منه محوراً رئيسياً في حسابات القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تنظر إلى وجودها في المنطقة بوصفه وجوداً مؤقتاً أو مرتبطاً بظرف مرحلي، بل كجزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إدارة التوازنات الإقليمية بما يضمن استمرارية نفوذها العالمي. ومن هذا المنطلق، لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط بقدر ما تعمل على إعادة تموضعها بطريقة تقلل من انخراطها المباشر، مقابل تعزيز الاعتماد على قوى إقليمية حليفة قادرة على تنفيذ جزء من هذه الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تبرز إسرائيل بوصفها فاعلاً محورياً يُنظر إليه كوكيل إقليمي يمتلك تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً واقتصادياً، ما يؤهله للقيام بدور مركزي في إعادة تشكيل توازنات المنطقة، بحيث تتحول إلى فضاء تدور فيه التفاعلات حول مركز قوة محدد، الأمر الذي ينسجم مع مقاربة تقوم على تقليل الكلفة المباشرة للهيمنة مع الحفاظ على نتائجها. ومن أجل ترسيخ هذا النموذج، لا تعتمد السياسات الأمريكية والإسرائيلية على أدوات الحرب التقليدية فقط، بل تتبنى استراتيجيات أكثر تعقيداً تقوم على إضعاف الدول الإقليمية الكبرى بدا من ايران من خلال آليات الاستنزاف الاقتصادي وإبقائها في حالة دائمة من الأزمات المالية أو الضغوط الداخلية، إلى جانب ممارسة أشكال من الاحتواء السياسي الذي يوجه خياراتها الاستراتيجية نحو مسارات محددة، مثل التطبيع أو الانخراط في تحالفات أمنية بعينها.
كما تتجلى هذه الاستراتيجيات في محاولات إنتاج بدائل جيوسياسية تقلل من أهمية الممرات الحيوية التي تشكل مصادر قوة سيادية لبعض الدول، مثل مضيق هرمز وقناة السويس، حيث إن طرح ممرات بديلة يهدف إلى سحب أوراق الضغط من يد هذه الدول وتحويلها إلى أطراف أخرى أكثر انسجاماً مع المنظومة الجديدة. وفيما يتعلق بالصراع مع إيران، يمكن ملاحظة أن الهدف لم يكن بالضرورة إسقاط النظام بشكل كامل، بل إضعافه وإبقاؤه ضمن حدود معينة، إذ إن الفوضى الشاملة قد لا تخدم المصالح الاستراتيجية بقدر ما يخدمها وجود نظام مُقيّد أو قابل لإعادة التشكيل والاندماج ضمن ترتيبات إقليمية جديدة، وهو ما يعكس تحولاً من منطق التغيير الجذري إلى منطق الضبط وإعادة التوجيه.
وتبقى السيطرة على تدفقات النفط والممرات المائية الهدف النهائي الذي تتقاطع عنده مختلف هذه السياسات، إذ إن من يمتلك القدرة على التحكم بهذه المفاتيح الاستراتيجية يمتلك في الوقت ذاته القدرة على التأثير في القرار السيادي لدول المنطقة، الأمر الذي يفسر شدة التنافس الدولي على إعادة رسم خريطة طرق الطاقة والتجارة. وفي هذا الإطار، برز مفهوم “السلام الاقتصادي” كأداة جديدة للهيمنة، حيث يتم ربط مصالح دول المنطقة، لا سيما الخليجية، بشبكات تعاون مع إسرائيل في مجالات التكنولوجيا والأمن وسلاسل الإمداد، بحيث يصبح أي خيار للمواجهة السياسية أو العسكرية مكلفاً إلى درجة تجعله أقرب إلى “الانتحار الاقتصادي”، وهو ما يحول السلام من خيار سياسي إلى آلية ضبط بنيوية ضمن منظومة النفوذ.
وفي موازاة ذلك، يشهد النظام الدولي تحولات بنيوية تتجه به نحو التعددية القطبية مع صعود قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند، وهو ما يدفع بعض الدول العربية والإسلامية إلى محاولة تنويع تحالفاتها والانفتاح على هذه القوى بهدف تحقيق قدر من التوازن في مواجهة النفوذ الأمريكي، غير أن هذه الجهود تظل محدودة التأثير في ظل غياب تنسيق استراتيجي حقيقي بين القوى الإقليمية الكبرى. فاستمرار التباين في الرؤى والمصالح بين القوة الاقليمية الكبرى يخلق ثغرة جيوسياسية تسمح للقوى الخارجية بإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، ويضعف من قدرة هذه الدول على التحول إلى فاعلين مستقلين في النظام الدولي، الأمر الذي يجعل مستقبل الشرق الأوسط رهيناً بمدى قدرة دوله على تجاوز الانقسامات وبناء مقاربات مشتركة تتيح لها الانتقال من موقع التبعية إلى موقع التأثير في معادلة القوة العالمية.
المقالات المنشورة في زاوية “رأي” تعبّر حصرا عن وجهة نظر كاتبيها ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا.
التعليقات مغلقة.